خزانة الفتاوى / الحديث / حديث: ( من شغله ذكري عن مسألتي )

حديث: ( من شغله ذكري عن مسألتي )

تاريخ النشر : 21 ذو الحجة 1440 هـ - الموافق 23 اغسطس 2019 م | المشاهدات : 1109

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

فإنه كثيرا ما يجري هذا الحديث على ألسنة الناس: ( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ) وهو مروي عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم بأسانيد كلها ضعيفة، لا أعرف أحدا من أهل العلم صححه، بل ذكر البعض أنه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين يذكره البعض أو يستشهد به، فإنما يكون قصده صرف الناس عن الدعاء، وتركه بالكلية، وأنه لا حاجة بالعبد إليه، وإنما عليه الانشغال بالذكر فقط، على أن أكثر من يردده هم المتصوفة، ومن على شاكلتهم!! وأقول بعد سؤال الله تعالى العلمَ النافعَ، والعملَ الصالحَ، وحمدِهِ وشكرِهِ، فأقول: هذا الأثر على تقدير صحته، فهو مخالف لأصول الدِّين الداعية وبقوة إلى وجوب دعاء الله تعالى، ليلَ نهارٍ، واعتبار الدعاءَ مخَّ العبادة، ومن أصول التوحيد، حتى جعل الله تعالى تركَ العبدِ له من الاستكبارِ عليه سبحانه، والاستغناء عنه، فقال جل وعلا: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).

كما توافرت نصوص السنة على الأمر به، والدعوة إليه، وبيان أعظم أوقات الإجابة، والصيغ التي يحسن أن يكون عليها، فهل يسوغ بعد ذلك ترك تلك النصوص لحديث هو من أضعف ما يكون؟! فكفى الدعاءَ فضلا أنه أمر الله تعالى في كتابه، وكفاه فضلا أنه مخ العبادة، وكفاه فضلا أنه فعل نبينا صلى الله عليه وسلم الدائم، وأمره المستمر، وحاله المتقررة، فما زال يدعو في كل شأن من شؤونه صلى الله عليه وسلم، ويبالغ، حتى يرى بياض إبطيه، وحتى يقضي نهار عرفة كله في الدعاء والإلحاح على الله تعالى، وحتى يطيل سجوده داعيا، مكثرا منه، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

وهذا إنما ننبه عليه، مع الإقرار بأن الذكر من أعظم الأعمال، وأجلِّها وأفضلها، وأن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء في الجملة، إنما على المسلم أن يتوجه إلى الله تعالى ذليلا حسيرا ضعيفا مستغيثا ملِحًّا مفتقرا في كل طلبه وحاجته، في ساعات الإجابة وغيرها، وكلما نزل به حاجة أنزلها بالله تعالى، سائلا مستغيثا، موقنا بقدرة الله تعالى، وعظيم عطائه، وواسع فضله، سبحانه، وأن ترك الدعاء نوع من الاستغناء والتكبر على الله تعالى، ونوع من الاعتماد على النفس، والثقة بها أكثر من ثقته بالله تعالى، وبما في يدي الله تعالى، وهذا من أعظم وأخطر ما يكون على تحقيق مقام التوحيد، الواجب على العباد جميعا تحقيقه. فترك الدعاء موجِبٌ لغضب الله تعالى، وسؤاله والإلحاح عليه موجِبٌ لرضاه تعالى، فمن ثَمَّ جرى التنبيه.

أما الذكر في مواضعه، فهو عظيم القدر، جليل المنزلة، على المسلم جعلُهُ همَّه ليلَه ونهارَه، في قوته وضعفه، في يسره وعسره، وبذا يتحقق للعبد أعلى المقامات، وأرقى المنازل، ذكر ودعاء وطاعة. ثم اعلم أن الدعاء في ذاته من أرفع صور الذكر، فهو ذكر وإقرار وذل وخضوع وتواضع وافتقار بين يدي الله تعالى. نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

والله الموفق 

كتبه: د. محمد بن موسى الدالي

في 21/12/1440هـ

 
المادة السابقة
المادة التالية
 
×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف