المواد / المقالات / وقفات مع الصلاة النارية

وقفات مع الصلاة النارية

تاريخ النشر : 18 جمادى آخر 1441 هـ - الموافق 13 فبراير 2020 م | المشاهدات : 1040
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، بعد
فالحمد لله تعالى أكمل دينه، وأتم نعمته على خير رسله محمد صلى الله عليه وسلم، فما مات صلى الله عليه وسلم، إلا وقد تركنا على محجة بيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فما من خير في دين الله تعالى، ولا طريق يوصل إلى الله تعالى إلا وقد دل عليه أمته، صلى الله عليه وسلم، حتى مات على ذلك.
فمن اعتقد غير ذلك فيه صلوات الله وسلامه عليه فقد ضل ضلالا مبينا، وحينئذ نعجب من هؤلاء الذين لا يألون إفسادا وابتداعا في دين الله تعالى بين الحين والآخر، بإدخال ما ليس من الدِّين في الدين، بدعوى أنه جُرِّب ونفع!! ومتى كان هذا طريقا لدين الله تعالى أو للتعبد بين يديه، أن يأتي جمع من المسلمين بعبادة أحدثوها وقدموها بين يدي الله تعالى، لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ثم يزعمون أنها جُرِّبت ونفعت! فعجبًا؛ إذ كل مسلم يستطيع أن يزعم ذلك، ولن ينتهي الأمر حتى تتبدل الشريعة تبعا للتجارب النافعة!! 
وإنما العبرة بعرض العمل أو العبادة أيا كانت على الكتاب والسنة، فما وافقهما عُمِل به، وما خالفهما تُرك.
وقد انتشر في الآونة الأخيرة صيغة من صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، تسمى الصلاة النارية، أو التازية، وزعم من يروج لها أنها صلاة مجربة، تنحل بها العقد، وتنفرج به الكرب، وتُقْضى به الحوائج، وتُنال به الرَّغائب وحسن الخواتيم، ويُسْتَسْقى الغمام بوجْهِه الكريم .. إلخ، مع تحديدها بعدة أرقام، إذا قيلت بهذا العدد نفعت، والله المستعان.
وللجواب على ذلك، أقول: 
- بداية: مشروعٌ ومرغَّبٌ جدا في الإسلام الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ورد الأمر بها كتابا وسنة، وجاء في فضلها نصوص كثيرة، فلا جدال في هذا الأمر، وبأي صيغة وردت، فإنه يشرع، وأكملُ صِيَغِها الصلاة الإبراهيمية، والتي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، لا مزيد عليها حيث كانت هديَ وتوجيهَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فمن أراد أن يصلي على النبي صل الله عليه وسلم فليلزم هذه الصيغة، ولا بأس في غيرها، وما ورد في السنة أفضل بكل حال مما قاله الناس، وإن كان في نفسه صوابا، فمن صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي صيغة صحيحة، فلا بأس، ولزوم ما ورد في السنة أفضل.
- ثانيا: فيما يتعلق بتلك الصلاة المسماة بالنارية، فلا بأس من حيث المبدأ من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي صيغة صحيحة، أما إن اشتملت على كلمات مخالفة للشرع، مُوهِمِة وموقعة للعوام في الخطأ، فترفض، وإن زيد على ذلك أعداد وأوقات بلا دليل شرعي، فهي من قبيل البدع، بهذا الوصف، وهذا تماما ما اشتملت عليه الصلاة النارية!
فقد اشتملت على عبارات لا تليق إلا بجناب الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا تُقضى به الحوائج، ولا تنحل به العقد، ولا تنفرج به الكرب، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يرتضي هذا المقام، في حياته، فضلا عنه في مماته، وهو سيد الموحِّدين صلوات الله وسلامه عليه، وهو يعلم يقينا صلى الله عليه وسلم أن هذه الحقوق خالصة لله تعالى، لا يشاركه فيها أحد، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]، وتكرر هذا التقرير كثيرا في كتاب الله صيانة لجناب التوحيد الخالص لله تعالى، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم لابنته فاطمة رضي الله عنها: «اعملي ما شئتِ؛ فإنِّي لا أُغْني عنْكِ من الله شيئًا» أخرجه الشيخان، وغيره من النصوص، وهذا في حياته، فكيف يحصل به هذا بعد مماته؟!
أما من زعم أن الباء للسببية في قوله: "تنفرج به الهموم..إلخ"!! فهذا تخييل وتدليس وخداع، إذ هو نفس المعنى، فما معنى أن الكُرَب تنفرج بسبب النبي صلى الله عليه وسلم؟! إلا بذاته؟! لو أنهم قالوا بسبب الاتباع له صلى الله عليه وسلم لربما كان مقبولا، أما بسببه المجرد، فهو نفسه بذاته صلى الله عليه وسلم، فهذا من جملة التدليس والخداع.
مع أنه حتى باتباعه لم يثبت هذا الفضل، فليس في الكتاب ولا السنة أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم تنفرج به الكرب في الدنيا، أو تنحل به العقد، أو تكشف به الغموم، إنما جزاء هذا في الآخرة، مع حصول السعادة في الدنيا لمن تمسك مطلقا بالكتاب والسنة، ولا شك، أما هذا الفضل الخاص لم يثبت لاتباعه صلى الله عليه وسلم.
فعلى المسلم أن يجرد توحيده ودينه لله تعالى وحده لا شريك له، فلا تنفرج الكرب، ولا تنحل العقد بنبيٍ، ولا وليٍ، ولا ملك مقرب، ولا غيره، إنما بالله تعالى الواحد الأحد، وهذا لا انتقاص فيه لمقام نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، بل ما أرسله الله تعالى إلا تحقيقا وصيانة لمقام التوحيد الخالص، والذي يقرر أن كشف الكرب وحل العقد وزوال الهم والغم بيد الله تعالى وحده لا شريك.
وأن المسلم مطالب باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هديه وسنته، وليس بالتعلق به، أو الاعتماد عليه في شيء، لا في حياته ولا بعد مماته.
وأما ما زعمه بعضهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم انحلت به عقدة الشرك!! فالله المستعان، إنما انحلت بدين الله تعالى الإسلام، وبما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من بيان ما هم عليه من الشرك، ثم نقضه وإبطاله بما أنزله الله تعالى، وليس بذات محمد صلى الله عليه وسلم أو بسببه، ولولا وحي الله له عليه الصلاة والسلام لكان من سائر البشر، لا مزية له على أحد، فانحلال الشرك إنما هو بالتوحيد الخالص الذي أمر الله به في كتابه العزيز، ووحيه إياه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وفرق عظيم بين الأمرين، والله المستعان.
ثالثا: ثم أين الصحابة رضي الله عنهم عن هذا الفضل العظيم له صلى الله عليه وسلم، وهو حيٌّ بين أظهرهم، فلِمَ لمْ يدعو بهذا الدعاء -الصلاة النارية- حتى تنفرج به همومهم، وتفرج به كروبهم؟! بل هو صلى الله عليه وسلم كان يصيبه الهم والغم، حتى هزم في بعض الغزوات، وما أشدها من عقدة، ومع ذلك لم يرشد صلى الله عليه وسلم الأمة إلى مثل هذا الدعاء حتى يكون سببا لتفريج الكروب والهموم، وحل العقد، فقد كان نبيا بشرا صلى الله عليه وسلم، يصيبه ما يصيب الناس، ولو كانت هذه الصلاة وما شابهها نافعة له ولأمته لكان هو أولى الناس بالانتفاع بها، ثم تعليم الأمة إياها، ولم يترك الأمر لفطنٍ يأتي بعد مئات السنين ليعلم أمة الإسلام هذا الفضل العظيم الذي خفي عن محمد صلى الله عليه وسلم، حتى عَلِمَهُ ذلك الشيخ الفذ!!!
رابعا: اشتملت هذه الصلاة على أعداد عجيبة، بلغت 4444 مرة!! فماذا لو زاد الشخص إلى 4445 أو نقص إلى 4443 !! فقطعا لن ينفرج الهم والكرب -حسب ما أوحاه الله تعالى إلى هذا الشيخ- لن ينفرج الهم إلا بهذا العدد، وقد ثبت ذلك عندهم بالتجربة!! فلا أدري أي تجربة هذه، التي أكدت لهم هذا مصداقية هذا الرقم؟! فهل أتوا بأصحاب الكروب والهموم وأمروهم بتجربة كل أعداد الدنيا، فانفرجت الكربة بهذا العدد 4444 دون غيره، أم كيف تمت تلك التجربة العظيمة؟!
وقطعا من أجوبتهم: أن الناس جربوا هذا العدد فحصل به كشف الكرب والهم، لكننا نسألهم ابتداء من أوحى إلى الشيخ بهذا الرقم؟! ومن أخبركم أن هذا الهم الكرب انكشف بهذه الصلاة النارية، وليس بصلاة ركعتين مثلا في جوف الليل، أو بدعاء في ساعة إجابة؟!
وإذا كان العبد مطالبا بالتفرغ لقرابة عشر ساعات حتى ينهي هذا الرقم، فكيف تمت له التجربة مع الأعداد الأخرى، حتى سلم لهم هذا الرقم 4444 ؟!
أم هو وحي أنزله الله على هذا الشيخ العظيم، وعلمه ما لم يعلم نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم؟!
فليس للشيخ سبيل آخر لإثبات فضل هذا الرقم إلا بهذين السبيلين:
إما بالتجربة على زعمهم، وهذا باطل؛ إذ يستلزم بطلان أعداد الدنيا كلها، إلا هذا الرقم 4444، وهذا لا يقبله مجنون، فضلا عن عاقل سويٍّ، فضلا عن عالم!
وإما أن يثبت له ذلك بالوحي، وهذا أبطل من السابق!
فيتعين بذلك بطلان هذا الهراء.
وليتهم كانوا أذكياء في اختيار رقم له نظائر في الشرع، فلم يرد في الشرع تكرار الذِّكر أكثر من مائة مرة، وهذا غاية ما شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما هذا الشيخ الفطن فقد وصل لهذا الرقم البديع بالتجربة! فهو عمى البصيرة نسأل الله السلامة، هو ما أوقعهم في مثل هذه الترهات.
ولتأكيد بطلان هذا العبث، انظر لاختيار الأرقام التعبدية من قبل الشرع، مثلا 33 تسبيحة دبر الصلاة، أو 100 سبحان الله وبحمده في اليوم والليلة، ونحوه، فهذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة فضله بآلاف التجارب، إنما هو الوحي العظيم، فالله تعالى هو العالم بسر هذه الأرقام، بل ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يعلم بذلك، لولا أوحى الله إليه به، وهذا مع كونه نبيًّا، بل وهو سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وخاتمهم.
فكيف لغيره من البشر تحديد أرقام مع كونه غير مدعوم بالوحي، بل ربما كان من أبعد الناس عن هدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! 
فإن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قادرا على تحديد أعداد للعبادة إلا بوحيٍ من الله تعالى، فغير النبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى.
** وفي الجملة، لطالب العلم أن يقرر هذا، أن دعوى ثبوت هذا الرقم المحدد بالتجربة واضح البطلان؛ لأنهم كلما زعموا رقما ثبت بالتجربة فهذا معناه بطلان كل أرقام الدنيا التي لا تنتهي، فمن أين لهم أن غيره من الأرقام لم ينجح، إلا بعد مروره على كل الأرقام؟! وهذا من أظهر ما يكون في إبطال هذه الدعوى الفاسدة -التجربة- نسأل الله السلامة.    
تنبيه: ورد في البخاري قول ابن عمر رضي الله عنهما: ربما ذكرت قول الشاعر - يعني أبا طالب في لاميته المشهورة- وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
          وأبيضُ يستسقى الغمامُ بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فقد ورد هذا الجزء في الصلاة النارية، فعبارة "يستسقى الغمام بوجهه" صحيحة، فكانوا يخرجون للاستسقاء، ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستسقون به، يرجون إجابة الدعاء بوجود نبي الله صلى الله عليه وسلم بينهم، وبدعائه، وهو المقصود بقوله "أبيض" أي: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهو استسقاء بوجود نبي صالح بينهم وبدعائه، فيرجى إجابة الدعاء لذلك، وليس بذاته، إنما بصلاحه وقربه من الله تعالى ودعائه، ولو كان بذاته لاستسقوا به حتى بعد موته صلى الله عليه وسلم، إنما كان الأمر على خلاف ذلك، فكانوا يخرجون بالعباس رضي الله عنه، وهم يقولون:  (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا؛ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا).
فلو كان الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وذاته لاستسقوا به حيا وميتا، فلما عدلوا عن ذلك إلى الاستسقاء بعم النبي صلى الله عليه وسلم دل على أمرين: أن الميت لا ينتفع به، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الإجابة متعلقة بدعاء رجل صالح معهم.
والله تعالى الموفق الهادي إلى سبيل الرشاد
كتبه: د. محمد بن موسى الدالي
في: 1441/6/7هـ
 
 
×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف