خزانة الفتاوى / عقيدة / المقصود من شد الرحال المنهي عنه

المقصود من شد الرحال المنهي عنه

تاريخ النشر : 4 شوال 1441 هـ - الموافق 27 مايو 2020 م | المشاهدات : 335
السؤال: ما المقصود بشدِّ الرحال الوارد في هذا الحديث: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. فمعلومٌ ما للشريعة من عناية شديدة بحفظ وصيانة جناب التوحيد، وإغلاق كل باب يوصل لخلافه، فيكون وسيلة للوقوع في الشرك، بكل أنواعه وصوره؛ فمن ذلك أن جاء النهي عن شد الرحال والسفر تقصُّدا لأي بقعة تُقصد للعبادة أو اعتقاد بركتها أو الفضل فيها بعينها غير هذه المساجد الثلاثة، وهي أعظم مساجد في الإسلام، لارتباطها بثلاثة أنبياء من أولى العزم، نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، ونبي الله إبراهيم عليه السلام، ونبي الله عيسى عليه السلام؛ وذلك تشريفًا وتعظيمًا لها، ولأن الله تعالى جعل فيها الكثير من الخير والبركة والفضل، خاصةً الصلاةَ في ثَلاثَتِها، فلا يجوز تقصُّد بقعة لاعتقاد فضل فيها إلا هذه الثلاثة، وقد جاء النهي بلفظ: (لا تُشدُّ) وبلفظ: (لا تَشُدُّوا) فيشمل النهيُ أعظمَ مساجد الدنيا، فلا يجوز شد الرحال إليها، ويزداد النهيُ والتحريم فيما لو كان المسجد مشتملا أو مبنيًّا على قبر، لرجلٍ صالحٍ أو لغيره، ويقبح الأمرُ فيما لو شدَّ الرحالَ إلى قبرٍ أو مقامٍ أو مشهدٍ، وهو أعظم صور التحريم، فلا يجوز شد الرحال إلى قبور الصالحين، أو من يُزعَم أنهم صالحون، مهما بلغت منزلتهم، فلا يجوز السفر إلى قبر الحسين أو البدوي أو الجيلاني ونحوه، أو من هم دونَهم، أو أكثر منهم. وقد أخرج الطحاوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقيت أبا بصرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: من أين أقبلت؟ قال: من الطور؛ حيث كلم الله موسى عليه السلام!! فقال له: لو لقيتك قبل أن تذهب لزجرتك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: الحديث). وسئل ابن عمر رضي الله عنهما: آتِي الطورَ؟ قال: "دع الطور ولا تأتها"، وقال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). ولما سُئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصلِّ فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد). فهذا ما فهمه السلف رضي الله عنهم من النهي: أنه لا يتقصد مكانًا للزيارة يعتقد فضله وبركته، إلا ما أباحه الإسلام في هذه الثلاثة. * ولا يدخل في ذلك: لو ذهب إلى مسجد للصلاة فيه، لجمال صوت الإمام، فهذا ليس قاصدا للبقعة لبركتها، إنما للإمام، وهو مباح. * ولا يدخل في ذلك: لو قصد المسجد لكون به عالِمًا، يطلب عليه العلم، فهذا أيضا ليس قاصدا للبقعة، إنما للعالِم، ولذلك لو درَّس ذلك العالِمُ في بيته لذهب إليه البيت، فهو ليس قاصدًا لمكانه، إنما لعِلمه، فلا يضرُّه السفرُ إليه، ولا يُعدُّ مخالفًا للنهي. * ولو قصد المسجد لكونه مَعْلما تاريخيا، لا اعتقادًا لفضله، ولا طالبًا لبركته، فلا بأس في ذلك. * ولو سافر للدعوة إلى الله تعالى في مركز إسلامي أو جهة ونحوه، فلا بأس، فهو غير قاصد لهذا المكان لاعتقاد فضل خاص فيه. * ولو سافر إلى جهة عالمية للدراسة وطلب العلم، فهذا مباح، بل قد يكون مندوبا مطلوبا، لما فيه من مصلحة طلب العلم، سيما إن اشتهر هذا المكان بالمنهج الصحيح. فلا يدخل في ذلك: كل سفر قربة، كصلة الرحم، أو طلب العلم، أو الجهاد أو السياحة والتنزه؛ إذ ذلك كله ليس سفرًا لذات المكان والبقعة يريد تعظيمها ويتقرب بها، إنما أراد معاني ومصالح أخرى. أما لو قصد أي بقعة غير الثلاثة التي أباحها الإسلام لاعتقاده الفضل فيها أو البركة فيها، فهو داخل في النهي، متعرِّضٌ إليه، يحرم عليه فعله، وتلزمه التوبة، وعدم المضي في سفره، والعودة منه، كما لو ذهب إلى مسجد الشيخ الفلاني يعتقد فضل الصلاة فيه، أو قبر فلان أو مشهد فلان، كما لا يشد الرحل قاصدا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما، ولا شهداء أحد، ولا مقبرة البقيع. تنبيه: السنة الصلاة في مسجد قباء كل سبت ركعتين، فهو من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة)، لكن لا يشد له الرحل، إنما إن تيسر للعبد أن يأتيه ماشيا، فتلك السنة، أو راكبًا، فلا بأس، لكن لا يُسافر إليه ويشدُّ إليه الرحل، فضلًا عن غيره من مساجد المسلمين. والله الموفق كتبه: د. محمد بن موسى الدالي في 3/10/1441هـ
 
 
×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف