خزانة الفتاوى / عقيدة / حكم استيداع الأهل عند كل خروج من البيت

حكم استيداع الأهل عند كل خروج من البيت

تاريخ النشر : 20 شعبان 1441 هـ - الموافق 14 ابريل 2020 م | المشاهدات : 211

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
 فإن استيداع الأهل والأصحاب ونحوه، إنما يشرع عند السفر، والفراق للسفر، وليس في كل حال، كما ذهب إليه بعضهم، فقد ثبت جملة من الأحاديث في استيداع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه). صحيح.
وعنه رضي الله عنه أنه قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أردت سفرا تقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ودَّع أصحابه في السفر يقول لأحدهم: "أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ". حسن.
وأخرج الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ، فَلْيَقُلْ لِمَنْ يُخَلِّفُ: أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا تَضِيع وَدَائِعُهُ".حسن.
فهذه الأحاديث صريحة جلية في أن هذا خاص بالسفر، وحمله على العموم إبطال لهذا القيد في تلك الأحاديث:(إذا أراد سفرا.. أو أراد أن يسافر) فلو قلنا هذا عام أبطلنا هذا تماما، فما الذي يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمم، فيقول: لو أن أحدكم أراد أن يخرج من بيته مثلا، لقال: (أستودع الله ...)؟!
فإن قلنا بعمومه، فتلك جناية على النص الصريح، وإخراج له عن صريح دلالته، وإبطال لقيد مقصود للشارع، والله المستعان.
ثم يتكرر نفس الخطأ في الاستدلال، فيأتي المستدل بالأدلة العامة، لتكون دليلا على قضايا خاصة، كالاستدلال على جواز هذا الدعاء في كل وقت وحين بأدلة مشروعية الدعاء العامة!!
مع كون تلك القضايا وقعت في العهد النبوي، ولم يشرع لها عبادة، فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من بيوته، في اليوم الواحد أكثر من مرة، ولم يثبت ولا في مرة واحدة أنه كان يقول كلما خرج هذا الدعاء، كما لم ينقل عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم هذا الأمر، فما الذي يجعلنا نتقدم بين أيديهم بتلك الاجتهادات، مع توافر الأسباب في زمن التشريع، وانتفاء المانع تماما؟!!
أما الدعاء للأهل والأصحاب والناس جميعا بأن يحفظهم الله تعالى، في كل وقت وحين، فلا بأس به، بل وهو من الدعاء للغير.
كما أنه لا بأس أن يستودع الله تعالى كل ما يملك، وليس المقصود أن يدعو بهذا الدعاء، إنما يجعل كل ما يخافه وديعةً عند الله تعالى، وهذا عمل قلبي، ويقين بأن الله تعالى يحفظها ويقيها الشرور، ولا لعلاقة لهذا بذلك الدعاء، بل هو من جنس التوكل.
فغير مشروع تخصيص هذا الدعاء الخاص بحال السفر، والذي لم يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه رضي الله عنهم إلا حال السفر، كما تقدم، فغير مشروع تخصيصه بكل خروج؛ إذ لو كان هذا من الدِّين، ولو كان هذا معناه حقيقة، لما فات على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على أصحابه رضي الله عنهم.
ونكرر ونزيد أن خير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه رضي الله عنهم، فهم أكثر الناس علما، وأعمقهم فقها، وأشدهم ديانة وعملا، فما فعلوه فهو الشرع، وما تركوه، فليس من الشرع، ولا يغرنك جاهلٌ يقول لك: ليس بالضرورة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم فعلوا الفعل!! فهذا جهل محض، وهي كلمة عظيمة تخالف أصول الشرع؛ إذ إن الوظيفة الحقيقية -والتي من أجلها اصطفى الله الصحابة رضي الله عنهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم- هي بيان المنهج الشرعي الذي يريده الله تعالى من هذه الأمة، ونقل الدِّين والشريعة لسائر الأمة، فإن غاب عنك أو عن أحد هذا الأصل، فهو قصور في العلم.
والقاعدة في باب البدع: أنه كلما وجد سبب لعبادة في العهد النبوي، وانتفى المانع من القيام بها، ولم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه رضي الله عنهم، ففعلها بعد ذلك بدعة، وإحداث في الشرع.

والله ولي التوفيق.
كتبه: د. محمد بن موسى الدالي
في :1441/7/19هـ

 
 
المادة السابقة
 
×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف