المواد / المقالات / مصر -أرض الكنانة، وتاريخ العلماء- بحاجة إلى تصحيح أوضاع العمل الدعوي فيها، وتحويله إلى بناءٍ تعليميٍّ، يتناسبُ ومصرَ وتاريخَها

مصر -أرض الكنانة، وتاريخ العلماء- بحاجة إلى تصحيح أوضاع العمل الدعوي فيها، وتحويله إلى بناءٍ تعليميٍّ، يتناسبُ ومصرَ وتاريخَها

تاريخ النشر : 7 ربيع آخر 1445 هـ - الموافق 22 اكتوبر 2023 م | المشاهدات : 169
مشاركة هذه المادة ×
"مصر -أرض الكنانة، وتاريخ العلماء- بحاجة إلى تصحيح أوضاع العمل الدعوي فيها، وتحويله إلى بناءٍ تعليميٍّ، يتناسبُ ومصرَ وتاريخَها "

مشاركة لوسائل التواصل الاجتماعي

نسخ الرابط
  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
 بالنظر بعد تأمل في بلادنا الحبيبة مصر، يتضح للناظر أن نماذج الدعوة في مصر أقسام أربعة، لا تكاد تتجاوزها:
الأول: وهي الغالبية العظمى، والكثرة الكاثرة على دعاة مصر، هم الوعاظ والخطباء، أصحاب الألسنة البديعة في الدعوة والوعظ والترغيب والترهيب والقصص .. إلخ، فلا تكاد تدخل مسجدا من مساجد مصر، حتى تجد هؤلاء يتصدرون العمل الدعوي، وليس لهم همٌّ أو عمل دعوي إلا ذلك، فلا تكاد يطرق أذنَك مسألةٌ علميةٌ واحدةٌ!!! وأرجو ألا يكون هذا غاية ما يملكون من العلم، وإلا فهي مصيبة بكل المعايير أن يتصدر الوعاظ والخطباء في بلدٍ كمصر!
وهذا القسم على بديع ما يقدمونه، إلا إنهم قصَّروا جدًّا في حق مصر، وأهل مصر، وفي حقِّ كلِّ مَن يعيش في مصر؛ وينتظر أن يتعلم فيها الشرع الحنيف على أيدي علماء مصر الأكابر، كما كان سالف تاريخها!! 
ولا أعترض على أهمية وجود الموعظة والترغيب والترهيب والقصص المؤثر بين الحين والآخر، لكن ربما كفى عنه خطبةُ الجمعة، فهي تجزيء، وهم بفضل الله تعالى يحسنونها إلى أقصى حد، إنما الشأن كله في  تمحيض الدعوة في هذا النوع! فلا يكاد يتعلم المسلم العامي على أيديهم أيَّ سُنة، ولا تكاد تجد طالب علم واحدًا أوجده هذا الأسلوب الدعوي الوعظي.
ولهذا أثرُهُ السلبيُّ العظيم على عملية البناء العلمي المقصودة أصالة بالدعوة، من وجوه: 
1- تزوير العلم على الناس، حيث ظن الناس في جملتهم أن هذا هو العلم، وأن هذا الطريق طريق العلم والعلماء، فأصبح المعيار بجودة الخطبة، والرفع والخفض بصوته، وحسن الإلقاء .. إلخ!! وفي هذا من السوء ما فيه، حتى وجدنا الشاب الذكي النبيه الفطن يقدُمُ أوَّلَ أمره على تعلم الخطابة والقصص ونحوه، ولا يلقي بالًا لتعلُّم العلم؛ لأن الخطبة باختصار شديد هي طريق الوصول إلى الناس بسرعة، أما طريق العلم فهو مليء بالعقبات، طويل شاق، يستغرق أعمارا كثيرة!!
2- أن هذا الطريق يعيق عملية البناء التعليمي، ويُضيِّق على طلابِ العلمِ الكبارِ الطريقَ إلى الناس، حيث أصبح الناسُ تنكر الحديثَ في العلم، ويستثقلونه، وربما نفروا منه، لصعوبته ومشقته، وهو طريق العلماء الصحيح، لكنه شاقٌّ، بحاجة إلى جالسِِ حاضرٍ للدرس بتركيزٍ، وذهنٍ حاضرٍ، ورأسٍ واعٍ، وكراس وكتاب وقلم، ومراجعة وحفظ وقراءة وبحث ,, إلخ، 
وهذا ما لم يعتادوه من قبل، فينفرون سريعا من مثل هذه الدروس، ليبحثوا عن واعظ يجلسون أمامه، لتلقي جرعة من اللطافة والظرافة دون أدنى جهد، ربما ينسونها عند باب المسجد!!
3- يجلس الشخص يتلقى تلك الدروس الوعظية ربما عشرين أو ثلاثين عاما، وفي الأخير لا يكاد يحسن سنن الوضوء، أو أبسط مسائل الصلاة، فضلا عن أبواب الزكاة والمناسك، وفضلا عن أبواب البيوع والمعاملات المالية، وفقه النكاح، وهو في منأى بعيد عن دراسة العقائد، وتفاسير أهل العلم وأصول الشريعة من الكتاب والسنة.
4- لا يقدم هذا المنهجُ الوعظيُّ أيَّ تطوير في عقلية المتلقي، بل هو سبيل لتدني طريقة تفكيره، حتى يصبح المتلقي لهذه الدعوة الوعظية لقمةً سائغةً لأهل البدع والمعتقدات الباطلة وأقاويل الزور، فتجده يتلقى الباطل دون أدنى محاولة لرده، والاعتراض عليه، ولا تستغرب إن وجدته يقول في ذكره: "أهم سقك حلع يصو" أو يردد: ياعزيز ياعزيز، ونحوه، من مقالات أهل الباطل، فليس عند المسكين أدنى حصانة علمية!!!.
5- أن هذا المنهج المستوغل والمستأصل في بلادنا يمثل هدْرًا لطاقات بشرية عظيمة بين يدي المعلِّم، يمكنه لو أحسن إليهم أن يحوِّلهم جميعا إلى طلاب علم، وسيجد عندهم خيرا كبيرا، لكن بتقصيره الشديد في العلم ونشره، حوَّلهم إلى متلقِّين، تحصيلُهم الشرعي لا يتجاوز مجموعةً من اللطائف والرغائب والقصص!
6- لعل من أسوأ ما تسمع من هؤلاء الدعاة (الوعاظ والخطباء) أن عليك أن تنزل للغة الناس وعقلياتهم، وهذا كلام فاسد، من أظهر ما يكون فسادا؛ إذ دَوْرُ المعلمِ الارتقاء بالمتعلمين، بلغتهم وعقلياتهم وترقية طرق تفكيرهم، لا النزول إليهم، والانحدار معهم! نعم، لا مانع من والتيسير والتبسيط بين الحين والآخر، لكن ليس هذا هو الأصل الذي تبنى عليه الدعوة، ففرق عظيم بين المقامين.
القسم الثاني: هم أصحاب مدرسة الحديث، وتلك الطائفة هم الأقرب إلى السنة، والعمل الدعوي العلمي، وبكل أسف لا يمثلون عددا كبيرا في المجتمع، لكنهم يوجدون في بعض مدن مصر، وحول بعض المشايخ الأفاضل المشتهرين فقط، وهم على خير عظيم، فهم على طريق خدمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أجلِّ طرق العلم.لكن يعتَوْرهم نقصٌ عظيم في الطلب، وفهْم خاطيء لطريق العلم، وتغافُلٌ كبير لأبواب عظيمة في العلم!
ونصحي إليهم -إن قَبِلوه- أن يطلبوا العلم بالطريق الموروث، فيجمعون إلى دراستهم علمَ الحديث الشريف، علمَ العقيدة بتأصيلٍ، والفقهَ من كتبه، وليس فقط من الأثر، كما هو مسلكهم!!، فلا بد من دراسة الفقه بطريقة الفقهاء، ومن كتب الفقهاء، وليس طريقة المحدِّثين، مع ضرورة دراسة أصول الفقه بالقدر الكافي، مع المزامنة في تعلم العقيدة من كتبها المنهجية، وليس كتب العقيدة المسندة فقط، فهذا لا يجمع لهم المقصود من دراسة العقيدة، حتى يدرسوها على الكتب المنهجية المعروفة، كشرح الطحاوية والواسطية والحموية والتدمرية ونحوه.
القسم الثالث: المتخصصون من طلاب وعلماء الأزهر، فيشترك عدد كبير أو الغالبية منهم مع القسم الأول في الدعوة والوعظ فقط، والبقية منهم، وهم عدد قليل جدا هم أصحاب الفقه والحديث والتفسير، وعلماء علوم الآلة، من لغة وأصول وعلوم حديث وعلوم قراءات وتفسير .. إلخ.
وهؤلاء -لو أصلح الله حالهم- لكان عليهم المعوَّلُ في مصر، فهم يدرسون الفقه من مظانه، وعلى طريقة أصحاب المذاهب الأربعة، بإتقانٍ شديدٍ، وقد رأيت منهم نوابغ في الفقه وأصول الفقه، والحديث، وفي علوم القرآن، وعلوم اللغة، وجل علوم الآلة.
فمن كان منهم منتسبًا لعقيدة السلف، متحلِّيًا بدِينِ وخلقِ أهل العلم، على منهج علمي رصين، فهو على خير عظيم.
أما من كان منهم على تلك الطرائق الضالة، من تصوفٍ أو أشعريةٍ ونحوه من طرق المبتدعة، فهذا يخلط عملا صالحا وآخر سيئا، فيُخشى منهم، والانصراف عنهم أولى وأصون للطالب!
القسم الرابع: قلة قليلة جدا، وهم طلاب العلم، من غير الأزهر، ممن حصَّل العلم، إما بنفسه وسعيه، أو بتلقِّيه على يد علماء، من داخل مصر أو من خارجها، ومجالسُ هؤلاء لا تكاد تجد فيها من الحضور إلا القليلَ، ممن يرجو العلم حقيقة، وسببُ تلك الأقلية صنيعُ القسم الأول في المجتمع، من توهينِ وتزهيدِ الناس في طلب العلم، أو تصعيبه على طالبه.
لذلك أكرر بين الحين والآخر، أن ما صنعه القسم الأول في البلاد أثرُهُ سلبيٌّ جدًّا على طلب العلم في مصر، بل هو سبب الانحدار العلمي العظيم الذي نراه في أكثر رواد المساجد!!! والله المستعان.
أخيرا، وهو المقصد من تلك الكتابة: نحن بحاجة عظيمة إلى دعوة علمية رصينة، يراد منها ابتداءً إيجاد طوائف كبيرة من طلاب العلم من هذا الشعب، وممن يعيشون بينهم، ولو وصل الأمر إلى تحويل أكثر العامة إلى طلاب علم، أو ترقية المستوى العلمي عندهم، لكان أعظَمَ أثرا، وهو الطريق الصواب لدفع أهل الباطل من مبتدعة وغيرهم، ونشر الهدي النبوي الصحيح في بلادنا، وتحصين عقول وعقائد المسلمين.
والله تعالى من وراء القصد، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد 
كتبه: د. محمد بن موسى الدالي
في 24/1/1445هـ
 

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف