المواد / المقالات / التنبيه على عبارة: "الأديان السماوية الثلاثة"

التنبيه على عبارة: "الأديان السماوية الثلاثة"

تاريخ النشر : 6 شوال 1446 هـ - الموافق م | المشاهدات : 4336
مشاركة هذه المادة ×
"التنبيه على عبارة: "الأديان السماوية الثلاثة""

مشاركة لوسائل التواصل الاجتماعي

نسخ الرابط

التنبيه على عبارة: "الأديان السماوية الثلاثة"

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإنه مع غياب وعي الناس بعظم التوحيد، وعظيم شأن الرسالة، ورفيع منزلة محمد صلى الله عليه وسلم أصبح لدى الناس تساهل في بعض العبارات الخطيرة، كتلك العبارة: "الأديان السماوية الثلاثة" وكأن الدين عند الله متعدد، وأنه ثلاثة أديان: اليهودية والنصرانية والإسلام.

وتكمن المصيبة وتعظم، حينما تصدر مثل هذه العبارة ممن ينسبون إلى العلم، ويتزيُّون بزِيِّهم، ضاربين بنصوص القرآن الصريحة عرض الحائط، فمن تتبع نصوص القرآن وجدها تثبت أن دين الأنبياء كلهم الإسلام، وليس في هذه الكلمة عصبية مقيتة لدين دون دين، بل هي كلمة تحمل في مضمونها المقصود الأعظم من الخليقة، وهو أن يسلم العبد نفسه لله تعالى، بالتزام شرعه ودينه، والقيام به على الوجه المطلوب، وهذا بخلاف التسميات المزعومة، كاليهودية التي لا تدل على معنى، لا في نفسه، ولا في غيره، ولا النصرانية، فلا هي دالة على واقع حال النصارى مع المسيح بن مريم عليهما السلام، فهم -على زعمهم- أشد الناس خذلانا له، ولا من حيث دلالة الاسم على معنى يريده الله من العباد، فهي أسماء جوفاء، لا معنى شرعي لها.

بينما اسم الإسلام يتضمن مقصود الله من الخلق، وهو إسلام الناس أنفسهم إلى الله تعالى، وانقيادهم وخضوعهم له سبحانه، فالإسلام دين الرسل كلهم أولهم وآخرهم، وكلهم بعثوا بالإسلام.

ولنتتبع القرآن لننظر كيف أن الإسلام هو دين الأنبياء جميعا:

فنبي الله نوح عليه الصلاة والسلام يحكي ما أمره الله به: ( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

وهذا أبو الأنبياء يبرئه الله تعالى من الباطل، فقال تعالى: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

كما دعا نبي الله إبراهيم نفسه، فقال: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) .

وَقَالَ عنه: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } إلَى قَوْلِهِ ؛ { إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } إلَى قَوْلِهِ : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

وكذا نبي الله يوسف عليه السلام قال: ( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ).

وقال سليمان عليه السلام :( يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين )

وقَالَتْ بلقيس ملكة سبأ: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) النمل-44.

وها هو نبي الله موسى عليه السلام يخاطب قومه بكل صراحة -وهم من ادُّعِيَ أنهم يهود- فيقول: ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ).

وها هي مقالة سحرة فرعون: ( وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ).

وها هي مقالة أكفر الكافرين، عدو الله فرعون: ( قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ).

وحكى الله في كتابه العزيز عن أتباع عيسى عليه السلام -الذين ادَّعى الجهالُ أن ديانتهم النصرانية-: ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).

وَقَالَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ: { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا}.

ويؤكد هذا صريحا ما في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ".

فدين أنبياء الله تعالى واحد، بالكتاب والسنة، فهو دين الله الحق الذي يراد به الاستسلام لله ظاهرا وباطنا، ظاهرا بالصلاة والزكاة والصوم والحج، وباطنا بالتوحيد الخالص لله تعالى، توحيده جل ذكره بألوهيته وعبوديته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، فهذا هو دين الله الخالص الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأقام عليه من الدلائل ما لا يحصيه إلا الله.

قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } .

وَقَالَ تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ }.

وقال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ }

كما أن جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم متفقون في الدين الجامع على الأصول الاعتقادية والعلمية، كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، والعملية كالأعمال العامة المذكورة في سورة الأنعام والأعراف وبني إسرائيل وهو قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا .. الآيات }، وقوله: { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } .. الآية، وقوله: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } الآية وقوله: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه .. } الآيات.

أما تسمية دين آخر باليهودية أو النصرانية، فهذا باطل من القول، ما أنزل الله به من سلطان، بل الأمر كما تقدم في النصوص، فلم يسم الله دينا بهاتين التسميتين، بل هم من سموا أنفسهم بذلك، قال تعالى: ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)  [البقرة/135، 136].

وقال تعالى حاكيا مقالتهم على أنفسهم: ( وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ) المائدة-14.

وقال تعالى: ( الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى )المائدة-82.

فهم من سموا أنفسهم بهذا الأسماء، ولا يعني هذا أن هناك ديانة اسمها النصرانية أو اليهودية، فالدِّين يثبت بالنصِّ عن رب العالمين، وليس من عقول البشر، ولا عقول عقلاء البشر، فضلا عن جُهَّالهم ومبتدعيهم من يهود ونصارى.

تنبيه:

يجب التنبيه على أن الذي يتغير بين الرسل والأنبياء هو الشرائع، كما قال تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } فتختلف الشريعة من نبيٍّ لنبيٍّ، وينسخ الله على لسان رسله ما يشاء من العبادات، فتختلف الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج، أو غيره من أحكام الأطعمة والأشربة، وغيره من أحكام الجهاد والجزية .. إلخ، فتختلف هذا الأمور من شريعة لشريعة، ومن منهج لمنهج، وينسخ الله في ملة وشريعة بعض ما أحل أو حرم في شريعة أخرى ، وينفي ويثبت كيفما يشاء، وحسب ما تقتضيه الحكمة، أما أصل الدين، وهو الإسلام فلا علاقة البتة بين كون الشرائع قابلة للتغيير والنسخ، وبين أصل الدين الداعي للتوحيد والاستسلام والخضوع لرب العالمين، وهو دين الإسلام الخالص، قال تعالى: ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ).

فلا يوجد غير دين واحد، نصًّا بالكتاب والسنة، وهو الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يتلفظ بمثل هذه العبارة: (  الأديان السماوية الثلاثة ) دون وعيٍ وفهم.

ثم هذا الكلام من حيث الحكم: إن كان عن اعتقاد، فهو تكذيب لصريح الكتاب والسنة من كون الدين واحدا، وتكذيب حرف واحد من كتاب الله كفر بإجماع العلماء.

وإن كان على وجه الخطأ والمتابعة والتقليد والغفلة، فالواجب على المسلم أن يطهر لسانه من الخطأ، خاصة فيما يتعلق بالاعتقاد، فيجب تحرير القلب واللسان من كل ما يعبد من دون الله، ويتعبد الله بدينه الخالص، الإسلام.

والله ولي التوفيق

كتبه: د.محمد بن موسى الدالي

في التاسع والعشرين من شعبان لعام أربعة وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة.

 

 

 

 

مواد جديدة

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف