المواد / المقالات / مناقشة أهم أدلة القائلين بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر

مناقشة أهم أدلة القائلين بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر

تاريخ النشر : 26 رمضان 1442 هـ - الموافق 08 مايو 2021 م | المشاهدات : 150
مشاركة هذه المادة ×
"مناقشة أهم أدلة القائلين بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر"

مشاركة لوسائل التواصل الاجتماعي

نسخ الرابط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فإن الخلاف في هذه المسألة بين الجمهور والحنفية، وهو مشهور جدا، لا يكاد يخفى على أحد:فذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب إخراج زكاة الفطر من الطعام وقوت الناس، حيث وردت النصوص كلها بذلك.
وذهب الحنفية، وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري والثوري رحمهم الله إلى جواز إخراج القيمة نقدا، بدلا من الطعام، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عند الحاجة الشديدة بالناس إلى النقد.
وجملة دليل القائلين بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر أن الشريعة الإسلامية جاءت بجواز إخراج القيمة في الزكاة في الجملة، ويدل على ذلك الآتي:
- قول النبي صلى الله عليه وسلمفي زكاة بهيمة الأنعام: (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اِسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) أخرجه البخاري.
فهنا أقام النبي صلى الله عليه وسلم في جبران ما بين الواجِبَيْن: (الحقة والجذعة) فأقام القيمة، وهي قوله: "عشرين درهما أو شاتين".
ثانيا: ورد عن طاووس عن معاذ رضي الله عنه أنه لأهل اليمن: "ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج.
ثالثا: ربما استدلوا بمثل ما ورد عن الإمام أحمد  لما سئل عن رجل باع ثمرة نخله؟ فقال رحمه الله: عُشْرُه على الذي باعه. قيل له: فيخرج تمرًا أو ثمنه؟ قال: "إن شاء أخرج تمرًا، وإن شاء أخرج من الثَّمَن".
هذا هو أقوى ما ورد كدليلٍ لهذا القول، ومناقشته كالآتي: 
أولا: أما إقامة الشريعة للقيمة في جبران ما بين الواجِبَيْن في زكاة بهيمة الأنعام، فلأن المنصوص عليه لا يمكن أن يتجزأ، فإن الواجب الجذعة -وهي ما بلغت من الإبل أربع سنوات ودخلت في الخامسة- مثلا، ولا يوجد عند صاحب الإبل جذعة، لكن عنده ما هو أدنى، وهو الحقة - وهي ما بلغت ثلاث سنوات، ودخلت في الرابعة- فإن تعذر على صاحب الإبل أن يقدم الجذعة، فله أن يقدم الحقة، وهي أدنى، لكن يعوض هذا الفارق بأمر منصوص أيضا، وهو إما شاتان، أو عشرون درهما.وكذا إن وجبت الأدنى، وهي الحقة، وليس عنده إلا جذعة (وهي الأعلى)، فهو يدفع الجذعة، ويعطيه (المصدِّقُ) جامعُ الزكاةِ الفرقَ، جبرًا لما بين الحقة والجذعة، وهو إما شاتان أو عشرون درهما.
فهنا أجازت الشريعة إخراج القيمة بين الواجِبَيْن اضطرارا، إذ لا يمكن دفع حقة، وجزء منها!! فليس أمامه لجبر هذا الفرق، إلا أن يدفع هذا القدر المنصوص من قبل الشرع، وإنما نص عليه الشرع أيضا؛ قطعا للنزاع، فإما شاتان أو عشرون درهما، ولم تُترك لاجتهاد الناس، وهذا الجزء من الدليل قد يقطع الطريق على المستدلين بجواز إخراج القيمة مطلقا، فحتى هذا التقييم لم يترك للناس، إنما حسمه الشارع، ونص عليه نصًّا.
ثانيا: الاستدلال بقول معاذ رضي الله عنه السابق، فهذا الأثر -بدايةً- ضعيف عند أكثر أهل الحديث، لكن على تقدير صحته، فليس فيه أن هذا التقييم كان في زكاة الفطر، فهو يحتمل أن يكون في زكاة عروض التجارة، أو زكاة الزروع والثمار، ويحتمل -على بُعْد شديد- أن يكون في زكاة الفطر، فليس فيه النص على أنه في زكاة الفطر، هذا من وجه.
الوجه الثاني: أنه مادام كذلك، فهو إن كان قول معاذ رضي الله عنه في زكاة عروض التجارة، فإن الواجب أصلا في زكاتها إخراج القيمة، ولو كان في زكاة الزروع والثمار، فإن الأرجح إن كان النقد أنفع للناس من الثمرة، فهو الواجب، ولا حرج إذن، إذ إن أعيان الزروع والثمار ليست مقصودة للشارع في شيء، فسواء أخرجها من الزروع والثمار، كما هو قول الجمهور، أو أخرجها من النقد، كما هو الراجح عند الحاجة أو المصلحة، فلا فرق بينهما في هذا الباب، أيضا.
وهذا ما يدل عليه قول الإمام أحمد السابق: "إن شاء أخرج تمرًا، وإن شاء أخرج من الثَّمَن" فهو يرى رحمه الله أنه لا فرق في باب الزروع والثمار بين عين المال، وهو الزرع أو الثمر، وبين النقد والثمن، فهما سواء في هذا الباب، وإن كان الإخراج من نفس الثمر أولى.ويحتمل أن الأثر في زكاة الفطر، وهذا بعيد جدا؛ إذ إن إرسال النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لأهل اليمن كان ليأمرهم بأركان الإسلام، من صلاة وزكاة ونحوه، وفي مثل هذا السياق يتعين أن تكون الزكاة المطلوبة منهم زكاة المال، وليس صدقة الفطر، والتي لا تجب إلا في رمضان، فتبين أن كون الأثر في زكاة الزروع والثمار، أو عروض التجارة، هو الأقرب.
وبناء عليه يتبين لك أن القيمة التي أخرجت في جبر ما بين الواجبين في زكاة بهيمة الأنعام، إنما كان من باب الضرورة؛ إذ لا يوجد حلٌّ، سوى إخراج هذا الجبر من القيمة.وأن أثر معاذ رضي الله عنه، يترجح أنه في زكاة الزروع والثمار أو عروض التجارة، ويبعد جدا أنه في صدقة الفطر. 
وعند التأمل أيضا نجد أن القيمة قد تعتبر في زكاة الزروع والثمار، لكون المقصود من المالين: "الزرع أو النقد" واحدا، وقد يعتبر هذا أيضا في زكاة بهيمة الأنعام، وهو خلاف الأولى؛ للنص على المطلوب بوصفه، فتارة بنت لبون أو بنت مخاض أو حقة أو جذعة.
 أما طرد وتعميم هذا الحكم في زكاة الفطر، كما ساغ في الأموال الزكوية الأخرى، وهي زكاة النقدين أو بهيمة الأنعام أو الزروع والثمار، فهذا محل نظر، إذ المقصود من تلك الأموال الثلاثة السابقة واحد، وهو المالية، أما المقصود من زكاة الفطر فهو أمر تعبدي، وهو إظهار عبادة من جنس ما كان العبد متلبسا به في رمضان، فقد كان تاركا للطعام والشراب، محرما عليه في نهاره، ثم أحله الله تعالى له يوم العيد، فناسب أن تخرج الزكاة من الطعام؛ شكرا لله تعالى على إتمامه نعمة العبادة، فكانت من جنس ما تلبس به العبد، فالتعبد واضح في صدقة الفطر، وأنه ليس المقصود منها مجرد المالية، وهو نظير الأضحية كما جرى التنبيه عليه في غير موضع.
فليس النفع المالي أو البدني هو المقصود الأول من هاتين العبادتين، بل: إما شكر الله تعالى على إتمام نعمة الصوم، أو التقرب إلى الله تعالى بالذبح يوم العيد، وإراقة الدم على اسمه تعالى في أيام العشر من ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة عند الله تعالى، والذبح على اسم الله تعالى من أعظم العبادات في الإسلام، ثم يأتي النفع المالي أو البدني في مرتبة متأخرة عن ذلك.
فحينما نقول زكاة الفطر المقصود منها نفع المسلمين، فهذا صحيح، لكن مع المحافظة على المعنى التعبدي، لكن إن قدمت النفع المالي أو البدني فقط، وأهملت المعنى التعبدي، فقد جنيت على نصوص الشرع، وأوقعت المسلمين في حرج.
وهو كذلك لو اعتبرت النفع فقط في الأضحية، ورضيت الأضحية المعيبة السمينة، لكونها أنفع للمسلمين، وأكثر لحما، وأن عيبها لا يضر المسلمَ شيئًا، أو رضيت قيمتها، فقد جنيت على النص، وأوقعت المسلمين في حرج أيضا؛ إذ إنك اعتبرت النفع البدني، وقدمته على المصلحة الشرعية، والمعنى التعبدي.
والله الموفق
كتبه: د. محمد بن موسى الدالي
في الثالث والعشرين من رمضان، لعام اثنين وأربعين وأربعمائة وألف، من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
 

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف