خزانة الفتاوى / الصيام / تحرير كون الواجب القضاء على الحامل والمرضع إن قدرتا على الصوم

تحرير كون الواجب القضاء على الحامل والمرضع إن قدرتا على الصوم

تاريخ النشر : 14 جمادى أول 1443 هـ - الموافق 19 ديسمبر 2021 م | المشاهدات : 199
مشاركة هذه المادة ×
"تحرير كون الواجب القضاء على الحامل والمرضع إن قدرتا على الصوم "

مشاركة لوسائل التواصل الاجتماعي

نسخ الرابط
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فإن القول بعدم القضاء على المرضع والحامل مع قدرتهما على الصوم مخالف للأصول المقررة للقضاء مطلقا على كل من عجز عن الصوم لعذر وزال، وهو نص الكتاب العزيز، فقد قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )، أما من عجز عن الصوم واستمر العجز معه، فإنه ينتقل إلى الكفارة (الفدية) بنص القرآن، وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
فالمسلم المعذور في هذا الباب قسمان لا ثالث لهما: 
الأول: أن يزول العذر، ويقدر على الصوم، فيجب عليه القضاء بإجماع المسلمين، لم يقل أحدٌ بخلاف ذلك.
الثاني: أن يعجز عن الصوم، ويستمر معه العجز، إما لشيخوخة أو لمرضٍ مستمرٍ، فهذا ينتقل الوجوب في حقه من الصوم إلى الكفارة.
ولم يقل أحد من أهل العلم إن أحدا أفطر لعذر ثم قدر على الصوم، إنه يكتفي بالفدية البتة!! لا ابن عباس ولا ابن عمر ولا غيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.
أما المرضع والحامل، وهما محل البحث، فهما في الغالب أحسن حالا من المريض، فإن كان الله تعالى قد أوجب على المريض القضاءَ بالإجماع إن قدر على الصوم، مع أنه قد يكون من أشد ما يكون مرضا منهما، علما أن المريض هو أصل القياس في المسألة، ومع ذلك أوجب الله تعالى عليه القضاء في كتابه العزيز، فالمرضع والحامل من باب أولى بوجوب القضاء عليهما، ولا يشك عاقل في ذلك.
وأما المنقول عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، من كونه أسقط القضاء عن المرضع والحامل، كقوله رضي الله عنهما: (والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا)، فسكوته عن القضاء يُخرَّج على أحد أوجه ثلاثة: 
الأول: إما لتقرر القضاء واستقراره شرعا، وليس لسقوطه، فالقضاء متقرر بنص الكتاب العزيز :(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) وكذا السنة الصحيحة.فهو رضي الله عنه يتكلم على أمر آخر، وهو الفطر عند حاجة المرضع أو الحامل إليه، والإطعام، وهو القدر الزائد عن المعتاد في هذا الباب، إذ المعتاد فقط القضاء، لكنه رضي الله عنه يرى وجوب الإطعام؛ خاصةً فيما إذا أفطرتا لحاجة الجنين أو الصبي، فلما كان فطرهما ليس لحاجتهما، إنما للصغير، فالحاجة فيهما أخف من حاجة المريض، فلما كان الأمر كذلك أوجب عنده أمرا زائدا، وهو الإطعام، ولم يتعرض رضي الله عنه لمسألة القضاء؛ لأن وجوبه مستقر.
ونظيره، لما سئل رضي الله عنه عن صوم العاشر من محرم؟ فقال: إن دخل محرم فاعدد حتى التاسع، ثم أَصبِحْ صائما، يعني التاسع، ويقصد مع العاشر، مع أنه لم يذكر صوم العاشر!! لكن ذلك لتقرره، فلا يخرج أحدٌ، ويقول: إن مذهب ابن عباس رضي الله عنهما هو صوم التاسع من المحرم منفردا!!!
الثاني: حمل فتوى ابن عباس رضي الله عنهما على حاملٍ ومرضعٍ أنهكهما الحمل والرضاع، فتعجزان عن الصوم، فألحقهما رضي الله عنه بالشيخ الكبير العاجز عن الصوم، أو المريض مرضًا دائمًا، وهذا وجيه، فينتقلان إلى الكفارة، لأنها الواجب في حقهما، ولا صوم عليهما، وهذا ظاهر في النصوص المنقولة عنه رضي الله عنه، حيث ألحقهما بالمُسِنِّ، ومن به داءٌٌ مستمرٌ.
الثالث: حمل فتواه على حاملٍ ومرضعٍ كثر عليهما الحمل والرضاع، بحيث اجتمع عليهما رمضانات كثيرة، فحينئذ يشق عليهما القضاء، فكان من الفقه نقلهما إلى وجوب الكفارة (الفدية) دون وجوب الصوم لعجزهما عن القضاء.
ويؤيد هذا أيضا ما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما لما سألته أَمَةٌ له حامِلٌ عن وجوب القضاء، فقال: أما أنت فلا قضاء عليك، إنما عليك الكفارة، فالنص واضح أنه ليس في كل حامل ومرضع، إنما هو في هذه الأَمَةِ على وجه الخصوص، وكأنه رأى فيها ضعفا واضحا، فقال: أما أنت فلا قضاء عليك، وليس الحكم لكل حامل ومرضع.
وبهذا تجتمع أصول الشرع في هذا الباب، فالمرضع والحامل القادرتان على الصوم، فعليهما القضاء وجوبا بمجرد القدرة عليه، بدليل أنهما ستطالبان بصوم رمضان الآتي عليهما!! فكذلك القضاء.
أو تكونان عاجزتين عن الصوم، للضعف، أو لكثرة اجتماع رمضان عليهما، فحيئذ تلحقان بالمريض الدائم مرضه، والعاجز عن الصوم، وتجب عليهما الفدية.
وبهذا يتضح فقه ابن عباس وغيره رضي الله عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن فتواه موافقة تماما للكتاب والسنة، وليس كما توهَّم البعض أن له قولا خاصا، أشبه بالشاذ عن أصول الشرع. 
فأصول الشرع بإجماع العلماء على أن الصوم لا يسقط بالكلية إلا عن العاجز عنه بالكلية، أما من عجز عنه لعذر وزال العذر فالواجب القضاء بكل حال.
والله الموفق
كتبه: د.محمد بن موسى الدالي
في 1/5/1443هـ
 

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف